النبي يعقوب عليه السلام
## النَّبِيُّ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نُورُ الصَّبْرِ وَيَقِينُ الرَّجَاءِ
أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ، يَا مَنْ تَبْحَثُ عَنْ نَبْرَاسٍ يُضِيءُ دَرْبَكَ فِي دَيَاجِيرِ الْحَيَاةِ، وَيَا مَنْ تَئِنُّ رُوحُكَ مِنْ ثِقَلِ الْهُمُومِ وَالْبَلَايَا، تَعَالَ مَعِي لِنُبْحِرَ فِي قِصَّةِ نَبِيٍّ عَظِيمٍ، وَإِنْسَانٍ بَشَرٍ مِثْلِنَا، ذَاقَ مِنْ مَرَارَةِ الدُّنْيَا مَا يَلِينُ لَهُ الْحَدِيدُ، وَمِنْ قَسْوَةِ الْفَقْدِ مَا تَفْطُرُ لَهُ الْقُلُوبُ، ثُمَّ ارْتَقَى بِصَبْرِهِ وَتَسْلِيمِهِ لِلَّهِ مَنَازِلَ الْعَارِفِينَ وَالصَّادِقِينَ. إِنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ يَعْقُوبُ، "إِسْرَائِيلُ" الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ مِنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ وَجَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
لَقَدْ كَانَتْ حَيَاةُ يَعْقُوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَلْحَمَةً مِنَ الْمَوَاقِفِ الْعِظَامِ، وَالِابْتِلَاءَاتِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي كَشَفَتْ عَنْ عُمْقِ إِيمَانِهِ وَقُوَّةِ يَقِينِهِ. وَلَعَلَّ أَشَدَّهَا وَأَبْلَغَهَا أَثَرًا فِي نَفْسِهِ، قِصَّةُ فَقْدِهِ لِابْنِهِ الْحَبِيبِ يُوسُفَ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. كَيْفَ لِأَبٍ أَنْ يَتَحَمَّلَ صَدْمَةَ فَقْدِ فِلْذَةِ كَبِدِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُلْقَى فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ؟ لَقَدْ كَانَتْ جَمْرَةً لَا تَنْطَفِئُ فِي قَلْبِهِ، وَغُصَّةً لَا تَسْتَقِرُّ فِي حَلْقِهِ. وَلَكِنْ مَاذَا قَالَ؟ هَلْ شَقَّ الْجُيُوبَ؟ هَلْ لَطَمَ الْخُدُودَ؟ حَاشَاهُ! بَلْ قَالَ قَوْلَ الصَّابِرِينَ الْمُحْتَسِبِينَ، الَّذِينَ اسْتَسْلَمُوا لِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ بَكَتْ قُلُوبُهُمْ دَمًا: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].
وَمَضَتِ السِّنُونَ ثِقَالًا كَالْجِبَالِ عَلَى قَلْبِ يَعْقُوبَ الْمُتَأَلِّمِ. وَأَيُّ سَنَوَاتٍ هِيَ؟! سَنَوَاتُ فَقْدٍ وَحُزْنٍ عَمِيقٍ، لَمْ يُغَادِرْ قَلْبَهُ أَمَلٌ فِي لِقَاءِ يُوسُفَ، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَيْنَاهُ عَنِ ذَرْفِ الدُّمُوعِ، حَتَّى ابْيَضَّتَا مِنَ الْحُزْنِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ. لَقَدْ بَلَغَ الْحُزْنُ بِهِ مَبْلَغًا عَظِيمًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبُثَّهُ إِلَّا لِمَنْ يَمْلِكُ الْكَشْفَ وَالْفَرَجَ، لِمَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ بِأَنَّاتِهِ وَبَثِّهِ الْحَزِينَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86]. آهٍ مَا أَعْظَمَهُ مِنْ يَقِينٍ! وَمَا أَعْمَقَهُ مِنْ تَسْلِيمٍ! إِنَّهُ يُسْلِمُ أَمْرَهُ لِلَّهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ سَيُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، رَغْمَ أَنَّ الظُّرُوفَ كُلَّهَا تُشِيرُ إِلَى الْيَأْسِ.
تَأَمَّلُوا مَعِي يَا أَحِبَّةُ، فِي هَذَا الْبَشَرِ الَّذِي وَصَلَ بِهِ الْأَلَمُ إِلَى أَقْصَاهُ، وَلَمْ يَفْقِدْ أَمَلَهُ فِي رَوْحِ اللَّهِ. لَمْ يَدَعْ الْيَأْسَ يَتَسَرَّبُ إِلَى قَلْبِهِ، بَلْ بَثَّ رُوحَ الْأَمَلِ وَالْبَحْثِ فِي أَبْنَائِهِ، رَغْمَ طُولِ الْغِيَابِ وَانْقِطَاعِ الْأَخْبَارِ. قَالَ لَهُمْ مُؤَكِّدًا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْإِيمَانِيَّةِ الْعَظِيمَةِ: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. فَمَنْ مِنَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ، حِينَ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ أَوْ يَخْسَرُ صَفْقَةً أَوْ يَتَعَثَّرُ فِي أَمْرٍ مَا، يَتَذَكَّرُ هَذَا الدَّرْسَ الْعَظِيمَ؟ كَمْ مِنَ الْأَرْوَاحِ هَلَكَتْ بِالْيَأْسِ، وَكَمْ مِنَ الْقُلُوبِ انْكَسَرَتْ بِفِقْدَانِ الْأَمَلِ، وَهِيَ غَافِلَةٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ! يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [متفق عليه]. فَمَا أَجْمَلَ الظَّنَّ بِاللَّهِ وَتَرْقُبَ الْفَرَجِ مِنْهُ وَحْدَهُ.
وَلَمْ يُخَيِّبِ اللَّهُ ظَنَّ عَبْدِهِ الصَّابِرِ الشَّاكِرِ، فَبَعْدَ سَنَوَاتٍ طِوَالٍ، كَأَنَّهَا دَهْرٌ، جَاءَ الْفَرَجُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ الَّذِي أَلْقَاهُ الْبَشِيرُ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ، فَعَادَ بَصِيرًا، وَعَادَتِ الْبَهْجَةُ إِلَى قَلْبِهِ، وَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ. لَقَدْ كَانَتْ جَزَاءً عَظِيمًا لِصَبْرٍ جَمِيلٍ، وَلِيَقِينٍ لَا يَتَزَعْزَعُ. قِصَّةُ يَعْقُوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ تُرْوَى، بَلْ هِيَ مِنْهَاجُ حَيَاةٍ وَدَرْسٌ عَظِيمٌ لَنَا جَمِيعًا.
فَلْنَتَعَلَّمْ مِنْ يَعْقُوبَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ نَصْبِرَ صَبْرًا جَمِيلًا عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَأَنْ نُسْلِمَ أُمُورَنَا كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَلَّا نَيْأَسَ أَبَدًا مِنْ رَوْحِهِ وَفَرَجِهِ، مَهْمَا اشْتَدَّتِ الْخُطُوبُ وَتَكَاثَفَتِ الْغُيُومُ. فَرَبُّنَا كَرِيمٌ رَحِيمٌ، وَعَطَاؤُهُ وَاسِعٌ، وَفَرَجُهُ قَرِيبٌ لِمَنِ اسْتَعَانَ بِهِ وَأَلْحَ بِالدُّعَاءِ. اجْعَلْ قِصَّةَ يَعْقُوبَ مِرْآةً لِرُوحِكَ، وَنَبْرَاسًا لِقَلْبِكَ، وَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَبَعْدَ الضِّيقِ فَرَجًا، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.

