الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وُلِدَ الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالتِّسْعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ المُعْتَبَرِينَ فِي الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ. كَانَ مِنْ أَكْبَرِ فُقَهَاءِ زَمَانِهِ وَأَشْهَرِهِمْ فِي العِلْمِ وَالحَدِيثِ، وَقَدْ أَثَّرَ بِعِلْمِهِ فِي الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ تَأْثِيرًا بَالِغًا.
**نَشْأَتُهُ وَطَلَبُهُ لِلْعِلْمِ**
نَشَأَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي بَيْتٍ عِلْمِيٍّ، فَقَدْ كَانَ جَدُّهُ وَوَالِدُهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. تَوَجَّهَ إِلَى طَلَبِ العِلْمِ مُنْذُ صِغَرِهِ وَحَفِظَ القُرْآنَ وَأَحَادِيثَ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَلَقَّى العِلْمَ عَلَى أَيْدِي عُلَمَاءِ المَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَالإِمَامُ الزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ.
**مَذْهَبُهُ وَمُؤَلَّفَاتُهُ**
يُعْتَبَرُ مَذْهَبُ الإِمَامِ مَالِكٍ أَحَدَ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي الإِسْلَامِ، وَقَدْ بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَالإِجْمَاعِ وَالقِيَاسِ. وَقَدْ أَلَّفَ كِتَابَهُ الشَّهِيرَ **المُوَطَّأَ**، وَهُوَ مِنْ أَقْدَمِ كُتُبِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ، وَجَمَعَ فِيهِ الأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَآرَاءَ الفُقَهَاءِ.
**مَكَانَتُهُ فِي العِلْمِ**
كَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ مُحَدِّثًا كَبِيرًا وَفَقِيهًا مُحَقِّقًا، وَكَانَ أَئِمَّةُ العِلْمِ يَثْنُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَنْهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "إِذَا ذُكِرَ العُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ". وَقَدْ كَانَ يُدَرِّسُ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَكَانَ لَهُ طُلَّابٌ كَثِيرُونَ، مِنْهُمْ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالإِمَامُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
**مَحَنَتُهُ وَصَبْرُهُ**
تَعَرَّضَ الإِمَامُ مَالِكٌ لِبَعْضِ المِحَنِ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْهَا تَعْذِيبُهُ بِسَبَبِ فَتْوَاهُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ المُكْرَهِ غَيْرُ نَافِذٍ، وَهَذَا مَا أَثَارَ سُخْطَ وُلَاةِ الأُمُورِ فِي زَمَانِهِ، لَكِنَّهُ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَظَلَّ مُتَمَسِّكًا بِالعِلْمِ وَنَشْرِهِ.
**وَفَاتُهُ**
تُوُفِّيَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالسِّتِّينَ وَالمِائَةِ (179هـ)، وَدُفِنَ فِي البَقِيعِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. وَقَدْ خَلَّفَ وَرَاءَهُ إِرْثًا عِلْمِيًّا كَبِيرًا، وَظَلَّ مَذْهَبُهُ مُنْتَشِرًا فِي أَمْصَارِ كَثِيرَةٍ، خُصُوصًا فِي شَمَالِ أَفْرِيقِيَا وَالأَنْدَلُسِ.
**خَاتِمَةٌ**
يُعَدُّ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَعْظَمِ فُقَهَاءِ الأُمَّةِ، وَقَدْ كَانَ عَالِمًا وَرِعًا زَاهِدًا، لَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. وَقَدْ تَرَكَ تَرَاثًا عَظِيمًا خَدَمَ بِهِ الإِسْلَامَ وَأَفَادَ بِهِ المُسْلِمِينَ عَلَى مَرِّ العُصُورِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَزَاهُ عَنْ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ خَيْرَ الجَزَاءِ.

