الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّ الخلقِ المرسلين، سيدِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
إنَّ رحمةَ الإسلامِ وسماحتَهُ لم تقتصرْ على الإنسانِ فحسب، بلْ امتدَّتْ إلى الحيوانِ، وجعلتْ له حقوقًا واجبةً، وأعمالًا صالحةً يُثابُ عليها المُحسنونَ. وإنَّ مِن أعظمِ الأعمالِ التي يُؤجَرُ عليها المرءُ سَقْيُ الحيوانِ وإطعامُه، فقدْ رَغَّبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ذلكَ، وجاءتِ الشريعةُ الغرَّاءُ مُبَيِّنَةً لفضلِ الإحسانِ إلى البهائمِ والدوابِّ، وَبَيَّنَتْ أنَّ السَّقْيَ لَهَا مِن أعظمِ القُرُباتِ، وأَجَلِّ الطاعاتِ.
فَضْلُ سَقْيِ الحَيَوَانِ في الإسلامِ
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رحيمٌ بعبادِهِ، وقدْ جَعَلَ الرحمةَ في قلوبِ خلقِهِ، ومنْ رحمةِ العبدِ بالحيوانِ أنْ يَسْقِيَهُ الماءَ إذا كانَ عَطْشَانًا. وقدْ جاءَ في الحديثِ الصحيحِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطشُ، فوجدَ بئرًا، فنزلَ فيها، فشربَ، ثمَّ خرجَ، فإذا كلبٌ يلهثُ يأكلُ الثَّرى من العطشِ، فقالَ الرجلُ: لقد بلغَ هذا مثلَ الذي بلغَ بي، فملأ خُفَّهُ، ثمَّ أمسكَهُ بفيهِ، حتى رَقِيَ، فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفرَ له". قالوا: يا رسولَ اللهِ، وإنَّ لنا في البهائمِ أجرًا؟ فقالَ: "في كلِّ كبدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ". (رواه البخاري ومسلم).
وفي هذا الحديثِ الشريفِ دلالةٌ عظيمةٌ على أنَّ اللهَ تعالى يُثيبُ العبدَ على رحمتِهِ بالحيوانِ، بلْ إنَّ مغفرةَ الذنوبِ قدْ تكونُ بسَبَبِ سقْيِ الماءِ لكائنٍ ضعيفٍ لا يستطيعُ أنْ يُعَبِّرَ عنْ حاجتِهِ.
الإحسانُ إلى الحيوانِ في القرآنِ الكريمِ
لقدْ حثَّ القرآنُ الكريمُ على الرحمةِ بالحيوانِ والعنايةِ به، وأشارَ إلى أنَّ السقْيَ والإطعامَ مِن الأعمالِ التي يحبُّها اللهُ عزَّ وجلَّ. وقدْ قالَ اللهُ تعالى في كتابِهِ العزيزِ:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (هود: 6).
وفي هذهِ الآيةِ الكريمةِ بيانٌ أنَّ اللهَ تعالى هوَ الرَّازِقُ لكلِّ مخلوقاتِهِ، وأنَّهُ لمْ يَكِلْ أمرَ أرزاقِ الحيواناتِ إلى أحدٍ سِوَاهُ، بلْ جعلَها مُتَكَفَّلَةً مِنْ قِبَلِهِ، وجَعَلَ مَنْ يُسَاهِمُ في رِعَايَتِهَا وإِطْعَامِهَا مِنَ المُحْسِنِينَ الذينَ يُثِيبُهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
الإحسانُ إلى الحيوانِ سَبَبٌ في رِضَا اللهِ
لقدْ بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الإحسانَ إلى الحيوانِ مِنْ سِمَاتِ المُؤمنِ الصالحِ، فكما أنَّ اللهَ يُحاسِبُ العبدَ على ظُلمِهِ لعبادِهِ، فإنَّهُ يُحاسِبُهُ كذلكَ على ظُلمِهِ للحيوانِ. وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
"عُذِّبَتْ امرأةٌ في هِرَّةٍ، سجَنَتْها حتى ماتَتْ، فدخَلَتِ النارَ، لا هِيَ أطعَمَتْها، ولا سَقَتْها، ولا تَرَكَتْها تأكُلُ مِن خَشاشِ الأرضِ". (متفق عليه).
ففي هذا الحديثِ العظيمِ وَعِيدٌ شديدٌ لمنْ يُعذِّبُ الحيواناتِ أو يُهملُها، حتى لوْ كانَتْ قطةً صغيرةً لا تُؤْذِي أحدًا.
السُّقْيَا مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ
إنَّ سَقْيَ الماءِ للحيوانِ يُعَدُّ مِنْ أعظمِ الصدقاتِ التي يُقَدِّمُهَا الإنسانُ، فقدْ قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:
"أفضلُ الصدقةِ سَقْيُ الماءِ". (رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني).
فإذا كانَ سقْيُ الماءِ للإنسانِ مِن أعظمِ القُرُباتِ، فَإِنَّهُ كذلكَ لِلحيوانِ، لِأَنَّهُ كَائِنٌ ضَعِيفٌ لَا يَمْلِكُ أَمْرَهُ، فَمَنْ سَقَاهُ وَأَطْعَمَهُ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ.
الخَاتِمَةُ
إنَّ الإحسانَ إلى الحيوانِ وسَقْيَهُ مِنْ أعظمِ القُرُباتِ التي تُقَرِّبُ العبدَ مِنْ رَبِّهِ، وهوَ مِنَ الأعمالِ التي تُؤَدِّي إلى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، وَرِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ، فَمَنْ أَرَادَ رَحْمَةَ اللهِ فَلْيَكُنْ رَحِيمًا بِخَلْقِ اللهِ. وَلْيَحْرِصِ المُسْلِمُ عَلَى نَشْرِ الرَّحْمَةِ وَالعَطْفِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالحَيَوَانَاتِ، لِيَنَالَ مِنَ اللهِ الجَزَاءَ الأَوْفَى وَالثَّوَابَ العَظِيمَ.
وصلى اللهُ على محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

