ٱلْـحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ، ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ، مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ، وَٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ عَلَىٰ أَشْرَفِ ٱلْأَنْبِيَاءِ وَٱلْمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَبَعْدُ:
فَإِنَّ ٱلْحَدِيثَ عَنِ ٱلنَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ هُوَ حَدِيثٌ عَنِ ٱلْإِيمَانِ وَٱلصَّبْرِ وَٱلْفِدَاءِ وَٱلتَّضْحِيَةِ، حَيَاتُهُ مَلِيئَةٌ بِٱلْمَوَاقِفِ ٱلْعَظِيمَةِ، وَٱلْبَلَاءَاتِ ٱلْعَظِيمَةِ ٱلَّتِي صَبَرَ عَلَيْهَا وَنَجَحَ فِيهَا بِٱلْيَقِينِ وَٱلتَّوَكُّلِ عَلَى ٱللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
---
🔸 نَسَبُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ:
هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارَحْ، وَيُقَالُ: آزَرُ، مِنْ سُلالَةِ سَامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ. وُلِدَ فِي بَابِلَ بِٱلْعِرَاقِ، فِي بِيئَةٍ تَغْلِبُ عَلَيْهَا ٱلْجَاهِلِيَّةُ وَعِبَادَةُ ٱلْأَصْنَامِ وَٱلْكَوَاكِبِ وَٱلْمُلُوكِ.
---
🔹 دَعْوَتُهُ فِي قَوْمِهِ وَمُجَاهَدَتُهُ لِلشِّرْكِ:
كَانَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ يَعْبُدُونَ ٱلْأَصْنَامَ وَٱلْكَوَاكِبَ وَٱلنُّجُومَ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنَ ٱلصَّانِعِينَ لِلْأَصْنَامِ، فَدَعَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى ٱلتَّوْحِيدِ، وَلٰكِنَّهُ رَفَضَ وَقَالَ لَهُ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ؟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّٗا﴾ [مريم: 46].
وَقَدْ بَدَأَ دَعْوَتَهُ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ، حَتَّىٰ جَاءَ يَوْمٌ كَسَرَ فِيهِ ٱلْأَصْنَامَ كُلَّهَا إِلَّا كَبِيرَهُمْ، وَقَالَ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63].
---
🔸 إِلْقَاؤُهُ فِي ٱلنَّارِ وَنَجَاتُهُ بِمُعْجِزَةٍ:
لَمَّا رَأَى ٱلْمَلِكُ وَقَوْمُهُ أَنَّهُ كَسَرَ ٱلْأَصْنَامَ، قَرَّرُوا أَنْ يُحْرِقُوهُ فِي نَارٍ عَظِيمَةٍ. فَجَمَعُوا لَهُ نَارًا لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي شِدَّةِ ٱلْحَرِّ، وَقَذَفُوهُ فِيهَا ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓا۟ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 68].
فَجَاءَ ٱلْأَمْرُ ٱلْإِلَهِيُّ: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِي بَرْدٗا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]، فَكَانَتْ ٱلنَّارُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَيْهِ، وَنَجَاهُ ٱللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ.
---
🔹 هِجْرَتُهُ إِلَى ٱللَّهِ:
لَمَّا طَرَدَهُ قَوْمُهُ وَأَبُوهُ، هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ إِلَىٰ أَرْضِ ٱلشَّامِ، وَقَالَ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]، فَأَكْرَمَهُ ٱللَّهُ بِٱلنُّبُوَّةِ وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ.
---
🔸 زَوْجَتَاهُ وَأَوْلَادُهُ:
كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ:
1. سَارَةُ: وَهِيَ ٱلَّتِي لَمْ تَلِدْ فِي بَدَايَةِ أَمْرِهَا، ثُمَّ رَزَقَهُمَا ٱللَّهُ بِـ إِسْحَاقَ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ فِي كِبَرِ ٱلسِّنِّ.
2. هَاجَرُ: وَهِيَ ٱلَّتِي أَنْجَبَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ.
---
🔹 رِحْلَةُ إِسْكَانِ إِسْمَاعِيلَ بِمَكَّةَ:
بِأَمْرٍ مِنَ ٱللَّهِ، أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ هَاجَرَ وَٱبْنَهَا ٱلرَّضِيعَ إِسْمَاعِيلَ، وَأَسْكَنَهُمَا فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَدَعَا لَهُمْ: ﴿رَبَّنَآ إِنِّيٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37].
وَمِنْ هُنَاكَ نَبَعَ بِئْرُ زَمْزَمَ، وَنَشَأَ إِسْمَاعِيلُ فِي مَكَّةَ، وَكَانَ أَصْلَ ٱلْعَرَبِ.
---
🔸 بِنَاءُ ٱلْكَعْبَةِ ٱلْمُشَرَّفَةِ:
بَعْدَ أَنْ كَبِرَ إِسْمَاعِيلُ، أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ بِبِنَاءِ ٱلْبَيْتِ ٱلْحَرَامِ، فَبَنَاهُ مَعَ ٱبْنِهِ إِسْمَاعِيلَ، وَكَانَا يَقُولَانِ:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
---
🔹 رُؤْيَا ٱلذَّبْحِ وَٱلِٱمْتِحَانُ ٱلْعَظِيمُ:
رَأَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ فِي ٱلْمَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ ٱبْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنَامُ ٱلْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، فَقَالَ لَهُ: ﴿يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّيٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾ [الصافات: 102].
فَجَاءَ ٱلرَّدُّ ٱلْمُؤْمِنُ: ﴿يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾.
وَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، نَادَاهُ ٱللَّهُ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، وَفُدِيَ إِسْمَاعِيلُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.
---
🔸 وَفَاتُهُ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ:
تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ ٱلسَّلَامُ وَعُمْرُهُ يُقَدَّرُ بِـمَا يُقَارِبُ 175 سَنَةً، وَدُفِنَ فِي مَغَارَةِ ٱلْمَكْفِيلَةِ بِفِلَسْطِين، وَهِيَ ٱلْيَوْمَ مَعْرُوفَةٌ فِي ٱلْخَلِيلِ.
---
🔹 فَضْلُهُ فِي ٱلْقُرْآنِ وَٱلسُّنَّةِ:
قَالَ ٱللَّهُ ﷻ: ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ [النجم: 37].
وَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا﴾ [النحل: 120].
وَفِي ٱلصَّلَاةِ نَقُولُ: "ٱللَّهُمَّ صَلِّ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَعَلَىٰ آلِ إِبْرَاهِيمَ".
---
ٱللَّهُمَّ ٱجْعَلْنَا مِنْ أَتْبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْحَنِيفِيَّةِ، وَٱرْزُقْنَا صِدْقَ ٱلتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ كَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ، وَٱجْمَعْنَا بِهِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ، وَصَلِّ ٱللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. 🤍

