العمل الصالح وجزأؤه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
**الْعَمَلُ الصَّالِحُ: نِدَاءٌ لِلْقَلْبِ وَنُورٌ لِلدَّرْبِ**
يَا رَفِيقِي الدَّرْبَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ، هَلْ تَسَاءَلْتَ يَوْمًا عَنْ مَعْنَى وُجُودِكَ، عَنْ الْغَايَةِ الْكُبْرَى الَّتِي خُلِقْتَ مِنْ أَجْلِهَا؟ فِي دَوَّامَةِ الْمَشَاغِلِ، وَصَخَبِ الْحَيَاةِ، وَتَعَاقُبِ الْأَيَّامِ، قَدْ نَنْسَى أَنَّ رَبَّنَا الْكَرِيمَ مَا خَلَقَنَا إِلَّا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، لِرِسَالَةٍ سَامِيَةٍ تَتَلَخَّصُ فِي كَلِمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ تَتَرَاقَصَانِ عَلَى شَفَتَيْ كُلِّ مُؤْمِنٍ: "الْعَمَلُ الصَّالِحُ". إِنَّهُ نِدَاءٌ مِنْ رَبٍّ حَنَّانٍ، وَهَمْسَةٌ لِلرُّوحِ الْبَاحِثَةِ عَنِ السَّكِينَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2]. فَهَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِهَذَا الِاخْتِبَارِ؟
لَيْسَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ مُجَرَّدَ فُرُوضٍ تُؤَدَّى، أَوْ عِبَادَاتٍ تُفْعَلُ فَقَطْ، بَلْ هُوَ رُوحٌ تَسْرِي فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِنَا. هُوَ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي تَبْعَثُ الْأَمَلَ فِي نَفْسٍ مُحْبَطَةٍ، وَالِابْتِسَامَةُ الصَّادِقَةُ الَّتِي تَمْسَحُ الْهَمَّ مِنْ قَلْبٍ مَكْسُورٍ. هُوَ الْإِحْسَانُ لِلْجَارِ، وَالرَّحْمَةُ بِالضَّعِيفِ، وَالْإِنْصَافُ فِي الْمُعَامَلَةِ. هُوَ أَنْ تُحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَأَنْ تُزِيلَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، حَتَّى الشَّوْكَةُ الصَّغِيرَةُ، فَهِيَ صَدَقَةٌ. يَقُولُ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]. فَكُلُّ خُطْوَةٍ نَحْوَ الْخَيْرِ، بِأَيِّ شَكْلٍ كَانَ، تُسَجَّلُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِكَ.
وَلِمَاذَا نَجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَا حَبِيبِي؟ أَلَيْسَ لِأَنَّهُ يُثْمِرُ لَنَا حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا، وَجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فِي الْآخِرَةِ؟ الْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْمَفْتَاحُ لِسَكِينَةِ النَّفْسِ، وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَبَرَكَةِ الْعُمْرِ. بِهِ تَتَّسِعُ الْصُّدُورُ، وَتَتَبَدَّدُ الْهُمُومُ، وَيَشْعُرُ الْمَرْءُ بِقُرْبٍ خَاصٍّ مِنْ خَالِقِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. فَتَخَيَّلْ حَيَاةً كُلُّهَا طِيبٌ وَبَرَكَةٌ وَسَعَادَةٌ، هَذَا وَعْدُ رَبِّكَ لِلْعَامِلِينَ الصَّالِحَاتِ.
فَلَا تُسَوِّفْ يَا أَخِي، وَلَا تُؤَجِّلْ. لَا تَقُلْ سَأَفْعَلُ الْخَيْرَ غَدًا، أَوْ بَعْدَ أَنْ أَكْبُرَ، أَوْ بَعْدَ أَنْ أُصْبِحَ غَنِيًّا. كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ هُوَ فُرْصَةٌ، وَكُلُّ لَحْظَةٍ هِيَ كَنْزٌ لَا يُعَوَّضُ. ابْدَأْ بِمَا تَسْتَطِيعُ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا. أَخْلِصِ النِّيَّةَ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ مَعَ الْإِخْلَاصِ خَيْرٌ مِنْ الْكَثِيرِ بِلَا إِخْلَاصٍ. تَرَقَّبْ أَجْرَكَ مِنْ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَلَنْ يُضَيِّعَ اللَّهُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [رواه البخاري ومسلم]. فَدَاوِمْ عَلَى الْخَيْرِ، وَلَوْ بِخُطُوَاتٍ صَغِيرَةٍ، فَإِنَّهَا تُرَسِّخُكَ عَلَى طَرِيقِ الصَّلَاحِ.
فَأَقْبِلْ يَا مَنْ تَبْحَثُ عَنِ السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، أَقْبِلْ يَا مَنْ تَرْجُو رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ. اجْعَلْ حَيَاتَكَ نُورًا يَتَلَأْلَأُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، تَزْرَعُ الْخَيْرَ حَيْثُمَا حَلَلْتَ، وَتَتْرُكُ أَثَرًا طَيِّبًا مِنْ بَعْدِكَ. لِتَكُنْ أَفْعَالُكَ شَاهِدَةً لَكَ يَوْمَ تَلْقَى رَبَّكَ. وَتَذَكَّرْ قَوْلَ رَبِّنَا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. فَهَلْ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ؟ لَا تَدَعْ الْفُرْصَةَ تَفُوتُ، فَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ، وَالْآخِرَةُ بَاقِيَةٌ. فَلْنَجْتَهِدْ، وَلْنُسَارِعْ، وَلْنَبْنِ بَيْتَنَا فِي الْجَنَّةِ بِأَيَادِينَا، مِنْ خِلَالِ عَمَلِنَا الصَّالِحِ الْيَوْمَ.

