قيام بعض ليالي رمضان: هل تكتمل الأجور؟

شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والبركات، يتجلى فيه فضل عظيم لقيام الليل، حيث رغب النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه بقوله: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". هذا الفضل الجزيل يدفع كثيرين إلى الاجتهاد في إحياء لياليه بالصلاة والذكر وقراءة القرآن. ولكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال مهم: ماذا عن من حال دون قيامه لجميع ليالي رمضان عذر شرعي، كالمرض أو السفر أو الحيض للنساء أو حتى التعب الشديد الذي لا يمكن مقاومته؟ هل يُحرم هذا الشخص من الأجر الكامل الذي وعد به القائمون؟

الرؤية الظاهرة لحديث فضيلة قيام رمضان قد توحي بأن الثواب كاملاً لمن قام جميع ليالي الشهر، لكن رحمة الله تعالى وواسع فضله تضفي على هذا الفضل بعداً أعمق يتناسب مع حكمة الشريعة ويسرها. الأصل في مثل هذه الأمور هو اعتبار النية الصادقة والاجتهاد قدر الاستطاعة.

إن من أعظم القواعد الشرعية التي تُقرر هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى." (رواه البخاري ومسلم). فإذا نوى المسلم نية صادقة أن يقوم ليالي رمضان كلها احتساباً للأجر، ثم حال بينه وبين ذلك عذر شرعي أو قاهر، فإن نيته هذه تحتسب له عند الله. الله تعالى يعلم السر وأخفى، ويعلم صدق المقصد.

ويؤكد هذا المعنى حديث آخر عظيم يرويه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مرض العبد أو سافر، كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً". هذا الحديث يوضح بجلاء أن من كان معتاداً على عمل صالح ثم منعه منه عذر خارج عن إرادته، فإن الله تعالى يكرمه بتمام الأجر وكأنما أداه كاملاً. وقيام رمضان يدخل في هذا الباب قطعاً. فمن كان يحرص على قيام ليالي رمضان بنية صالحة ثم منعه مرض مفاجئ، أو سفر ضروري، أو انقطع عن ذلك لعارض شرعي، فإنه يُرجى له أجر قيام جميع ليالي رمضان، ما دام قد فعل ما استطاع وقدر عليه قبل العذر، وكانت نيته هي القيام.

إن دين الإسلام مبني على اليسر ورفع الحرج، قال تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" (البقرة: 185). والله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. فالمسلم الذي يجتهد في العبادة قدر طاقته، ويصدق في نيته، ثم يطرأ عليه ما يمنعه من إكمالها، لا يحرمه الله فضله العظيم. بل إن سعيه واجتهاده، مقرونين بنيته الطيبة، كفيلان بأن يبلغا به منازل العاملين.

فيا من حرمك العذر من إكمال قيام ليالي رمضان كلها، لا تيأس من رحمة الله الواسعة. اجتهد فيما بقي، وأحسن النية، واعلم أن الله كريم جواد يجزي على القليل الكثير، وعلى النية الصادقة أجوراً عظيمة. أهم شيء هو صدق الإقبال على الله، والاجتهاد قدر المستطاع، وطلب العون منه سبحانه. فإذا أديت ما قدرت عليه، وكنت قد نويت القيام كاملاً، فإن الله أكرم وأجل من أن يحرمك أجر التمام.