النميمة: وقود جهنم
تتعدد الذنوب وتتنوع أشكالها، ولكن يظل بعضها أشد فتكاً بالقلوب والمجتمعات، وأسرع إهلاكاً للحسنات. ومن هذه الذنوب العظيمة، التي حذر منها الإسلام أشد التحذير، "النميمة"؛ تلك الآفة اللسانية التي لا تقتصر آثارها على الدنيا، بل تمتد لتكون سبباً في شقاء الآخرة، وناراً توقد في جهنم.
إن النميمة، أو الغيبة بمعناها الأوسع الذي يشمل ذكر أخيك بما يكره في غيابه، هي داء اجتماعي خطير ومحرم شرعاً. وقد وصفها القرآن الكريم بوصف مهيب يرتجف له الوجدان، لتُجلي بشاعتها وقبحها. يقول تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 12]. هذا التشبيه البليغ والمروع لأكل لحم الأخ الميت، يصور شناعة فعل الغيبة والنميمة، فكما أن النفوس تنفر من أكل لحم الميت، كذلك يجب أن تنفر من انتهاك حرمة الأحياء بالغيبة والنميمة. فذكر عيوب الناس في غيابهم، هو بمثابة تمزيق لشخصيتهم وشرفهم، وكأنك تأكل من لحمهم الميت وهم لا يدرون.
ولم تكن السنة النبوية المطهرة أقل تشديداً في التحذير من هذه الآفة. فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقال: "ذكرك أخاك بما يكره". فقيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه" (رواه مسلم). وهذا الحديث الشريف يوضح أن الغيبة لا يشترط فيها الكذب، بل يكفي أن تذكر حقائق يكرهها أخوك في غيابه لتكون مغتاباً، وإن ذكرت ما ليس فيه فقد جمعت بين الغيبة والبهتان، وهو أشد قبحاً.
إن النميمة ليست مجرد زلة لسان عابرة، بل هي طريق ممهد نحو النار، وذلك لعدة أسباب جوهرية:
أولاً: إنها من كبائر الذنوب التي توعد الله عليها بالعذاب الشديد، وإن لم يتب العبد منها ويطلب المسامحة ممن اغتابه، فإن حقه يبقى معلقاً إلى يوم القيامة.
ثانياً: النميمة تحبط الأعمال الصالحة وتلتهم الحسنات، فمهما اجتهد العبد في الطاعات، فإن هذه الآفة قد تكون سبباً في ضياع أجرها. وقد جاء في الحديث أن من الناس من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال، ولكنه يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، واغتاب هذا، فيعطى هؤلاء من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار.
ثالثاً: النميمة تُفسد القلوب وتزرع العداوة والبغضاء بين المسلمين، فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض ويتماسك وأفراده يتنازعون ويتطاير بينهم الشرور بسبب سوء الألسنة؟ إنها تهدم الثقة وتقتل المودة وتقطع الأواصر.
رابعاً: النمام لا يدخل الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة نمام" (متفق عليه). وهذا الحديث تحذير شديد ووعيد لكل من استمر على هذه الخصلة الذميمة دون توبة نصوح.
وللنجاة من هذه النار المستعرة، لا بد للمسلم أن يجاهد نفسه جهاداً عظيماً. فليتذكر دائماً قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. وليجعل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم نبراساً له: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (متفق عليه). وليشغل نفسه بعيوبه عن عيوب الناس، وليتفرغ لإصلاح ذاته بدلاً من تتبع عورات الآخرين.
في الختام، إن اللسان نعمة عظيمة إذا استعمل في طاعة الله وقول الحق، ونقمة عظيمة إذا استعمل في الإثم والباطل. فلتكن ألسنتنا معطرة بذكر الله، منشغلة بما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا، ولنبتعد عن النميمة والغيبة وكل قول يغضب الله ويوقد نار جهنم، عسى أن نكون من الفائزين بمرضاة الله وجناته.
ختاماً:
نرجو أن يكون هذا المقال نافعاً لكم. تابعوا جديد مدونة الأنباء الإسلامية.
