اللسان: كلمات قد تطيح بصاحبها في مهاوي الردى
إن اللسان، تلك القطعة الصغيرة من اللحم في فم الإنسان، لهو من أعظم النعم وأخطرها في آن واحد. فبه يعبر المرء عن إيمانه، ويذكر ربه، ويدعو إلى الخير، وينطق بالشهادتين، وبه أيضاً قد يرتكب أكبر الذنوب التي تهوي به في الدركات السحيقة. لقد حذرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من زلات اللسان وخطورة الكلمات التي قد تصدر عنه دون وعي أو تفكير، مبيناً أنها قد تكون سبباً في هلاك صاحبها في الدنيا والآخرة.
ولعل من أخطر ما يجنيه اللسان هو السب والشتم والتفوه بالكلمات البذيئة، خاصة تلك التي تمس جناب الله تعالى أو رسوله الكريم أو الدين الحنيف أو حتى إخواننا المسلمين. إن الإساءة بالقول قد تبدو أمراً هيناً عند البعض، لكنها في ميزان الشرع من أعظم الموبقات.
لقد توعد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من يتجرأ على سب الذات الإلهية أو دين الإسلام أو نبيه صلى الله عليه وسلم بالعذاب الشديد، واعتبر العلماء ذلك من الكفر الصريح المخرج من الملة. فالله تعالى يقول في محكم تنزيله: "وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" (التوبة: 65-66). وهذه الآيات تحمل تحذيراً شديداً لكل من يتهاون في حق الله ورسوله ودينه، حتى وإن كان ذلك على سبيل المزاح أو الخوض واللعب.
ولم يقف التحذير عند هذا الحد، بل امتد ليشمل سب المسلم وإهانته. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث شريف رواه البخاري ومسلم: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ". وهذا يدل على أن سب المسلم والخوض في عرضه وشتمه ليس بالأمر الهين، بل هو خروج عن طاعة الله وفسوق يستوجب التوبة والاستغفار. فكيف يتجرأ مسلم على أخيه بكلمات نابية بينما النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك وجعله من علامات الفسق؟
كذلك يدخل في دائرة السب والشتم المحرم كل أنواع الغيبة والنميمة والسخرية والهمز واللمز، التي حذر منها القرآن الكريم أشد التحذير. يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الحجرات: 11). ويقول أيضاً: "وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ" (الحجرات: 12).
إن خطورة اللسان تكمن في أن الكلمة قد تخرج دون تفكير، لكنها قد تكون أشد فتكاً من الرصاصة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم سبعين خريفا" (رواه الترمذي). وهذا الحديث يوضح حجم الوعيد لمن لا يلقي بالاً لما يقول.
لذا، فإن على المسلم أن يتقي الله في لسانه، وأن يجعله مفتاحاً للخير لا شراً. فليكن كلامه طيباً، وقوله حسناً، وذكره لله كثيراً. ولنتذكر دائماً قول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (رواه البخاري ومسلم). في هذا الحديث النبوي الشريف خلاصة القول في التعامل مع هذه الجارحة العظيمة، فإما كلمة طيبة تُرفع بها الدرجات، أو صمت يسلم به العبد من سخط رب الأرض والسماوات. فلنحرص على أن تكون ألسنتنا عامرة بذكر الله، ومُصانة عن كل سوء يودي بنا إلى الهلاك.
ختاماً:
نرجو أن يكون هذا المقال نافعاً لكم. تابعوا جديد مدونة الأنباء الإسلامية.
