مرضتُ صائماً قبيل الإفطار.. هل أُفطر؟ الفتوى تجيب

شهر رمضان المبارك هو شهر الطاعة والعبادة، يتسابق فيه المسلمون لنيل الأجر والثواب بصيام نهاره وقيام ليله. ولكن قد يباغت المسلم وهو صائم بوعكة صحية أو مرض مفاجئ، ويزداد الحيرة إذا كان ذلك في آخر النهار، أي بعد العصر وقبيل أذان المغرب بدقائق أو ساعات قليلة. فهل يجب عليه إكمال الصيام على مضض، أم يجوز له الفطر؟

الفتوى الشرعية في مثل هذه الحالة واضحة ومبنية على يسر الشريعة الإسلامية ورفع الحرج عن المسلمين. **نعم، يجوز لك الفطر إذا مرضت أثناء صيامك في رمضان، حتى لو كان ذلك قبيل أذان المغرب بدقائق معدودة.**

**الأدلة الشرعية ويسر الإسلام:**

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بخصائص عظيمة، منها التيسير ورفع الحرج عن المكلفين. والله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهو أرحم بعباده من أنفسهم. وقد نص القرآن الكريم صراحة على رخصة الإفطار للمريض في رمضان، فقال تعالى:

**"أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة: 184).**

وفي آية أخرى تؤكد هذا التيسير وسبب إباحة الفطر:

**"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (البقرة: 185).**

فقوله تعالى: **"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"** هو الأصل في هذه المسألة. والإسلام دين يراعي صحة الإنسان وسلامته، ولا يرضى أن يتعرض المسلم للمشقة البالغة أو الخطر بسبب العبادة.

**متى يكون المرض مبرراً للفطر؟**

ليس كل تعب عابر أو شعور طفيف بالإرهاق يبيح الفطر. بل المرض الذي يُخشى معه تفاقم الحالة الصحية، أو يؤدي إلى ضرر بالجسم، أو يسبب مشقة بالغة لا تحتمل عادة، هو الذي يبيح الفطر. ويشمل ذلك:

1. **المرض الذي يؤدي إلى ضعف شديد أو دوخة أو إغماء.**

2. **المرض الذي يستدعي تناول الدواء فوراً.**

3. **المرض الذي يخشى الطبيب المسلم الموثوق تفاقمه بسبب الصيام.**

**ماذا تفعل إذا مرضت قبيل الإفطار؟**

1. **الفطر مباشرة:** إذا شعرت بمرض شديد يسبب لك مشقة عظيمة أو ضرراً محققاً أو مظنوناً، فلا تتردد في الفطر فوراً. لا يجب عليك الصبر حتى يحين وقت الإفطار إذا كان المرض قد اشتد بالفعل، بل يجب عليك أخذ الرخصة الشرعية. يمكنك تناول الماء أو أي شيء يخفف عنك الألم أو الضعف.

2. **نية القضاء:** عليك أن تنوي قضاء هذا اليوم بعد رمضان، عندما تستعيد عافيتك وتزول عنك الأعذار. فالله تعالى قال: **"فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"**.

3. **استشارة الطبيب:** إذا كان المرض يستدعي ذلك، فلا تتأخر في استشارة الطبيب لتشخيص حالتك وتلقي العلاج المناسب.

**الحكمة من الرخصة:**

إن هذه الرخصة تعكس رحمة الله تعالى وتيسيره على عباده، فليس من مقاصد الشريعة إلحاق الضرر بالنفس أو التسبب في تدهور صحي. كما أنها تدعو المسلم إلى الحفاظ على صحته وقوته ليتمكن من أداء العبادات والطاعات الأخرى في حياته. فصحة البدن هي من نعم الله العظيمة التي يجب شكرها والحفاظ عليها.

ختاماً، لا تتردد أيها الصائم في الأخذ برخصة الله إذا ما أصابك مرض يمنعك من إتمام صيامك دون حرج أو شعور بالذنب، فديننا الحنيف هو دين اليسر والرحمة. ثم عليك أن تقضي ذلك اليوم في غير رمضان، عندما يمنّ الله عليك بالصحة والعافية.