البصر: نورٌ آسرٌ وشكرٌ دائم
إن نِعم الله علينا لا تُعد ولا تحصى، ومِن أجلّ هذه النِعم، وأكثرها حضوراً في حياتنا اليومية، تلك الجوهرة الثمينة التي زوّدنا بها الخالق عز وجل: نعمة البصر. هذه العينان اللتان بهما نُبصر جمال الكون، ونتدبر آيات الخالق، ونقضي حوائجنا، ونقرأ ونتعلم. إنها هبةٌ إلهية عظيمة تستوجب منا الشكر الدائم والامتنان العميق.
تأمل في هذه الآلة العجيبة التي أودعها الله في وجهك، كيف تعمل بتناسق ودقة متناهية، تستقبل الضوء وتحوله إلى صور واضحة المعالم، تُمكّنك من رؤية الألوان الزاهية، وتفاصيل الخلق الدقيقة، وتمييز الوجوه، وقراءة الكلمات، واجتياز الطرقات بسلام. لولاها، لكانت الدنيا ظلاماً دامساً، والحياة عسيرة مليئة بالعقبات والتحديات التي لا يتصورها إلا من فقد هذه النعمة. كم من محرومٍ يتمنى لو يرى النور لدقيقة واحدة، أو يتأمل وجه عزيز عليه! إن مجرد التفكير في حرمان البصر كافٍ ليوقظ فينا حمداً وشكراً لا ينقطعان.
وليس البصر مجرد أداة لرؤية الماديات فحسب، بل هو بوابةٌ للإيمان والتفكر في عظمة الخالق. فبه ننظر إلى السماء الصافية، والجبال الشاهقة، والأنهار الجارية، والنباتات المتنوعة، والحيوانات في اختلاف أشكالها وألوانها، لنتدبر عظمة الخالق وقدرته التي لا حدود لها، وحكمته في كل شيء. قال تعالى في محكم التنزيل: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78). فجعل سبحانه البصر إلى جانب السمع والفؤاد وسيلة للشكر والإدراك، ونعمة أساسية لإدراك الحقائق التي تدل على وحدانيته وربوبيته. وبهذه النعمة نميز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، من خلال قراءة آياته المنظورة في الكون والمسطورة في كتابه.
إذاً، فكيف يكون شكرنا لهذه النعمة الجليلة؟ الشكر لا يقتصر على اللسان بقول: "الحمد لله" فقط، وإن كان هذا ركناً أساسياً، بل يتعداه إلى شكر العمل؛ بأن نستخدم أبصارنا فيما يرضي الله، وأن نحفظها عما يغضبه. نستخدمها في قراءة كتابه الكريم، والنظر في آياته الكونية التي تزيدنا إيماناً، ومساعدة المحتاجين، والبحث عن العلم النافع، وفي كل ما يعود بالنفع على أنفسنا ومجتمعنا. وفي المقابل، نغض أبصارنا عن المحرمات، وعما يثير الفتنة، وعن عورات الناس، امتثالاً لقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (النور: 30). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يمتعه بسمعه وبصره، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا" (رواه الترمذي). وهذا دعاء يعكس أهمية هذه النعم والرغبة في استمرارها.
في الختام، إن نعمة البصر هي من أعظم الدلائل على إبداع الخالق وعنايته بعباده. هي نور يضيء لنا دروب الحياة، وبوابة للتفكر في ملكوت السماوات والأرض. فلنحرص على شكر الله عليها بالقول والعمل، وأن نستخدمها في كل ما يقربنا إليه، لتدوم لنا هذه النعمة في الدنيا، وتكون شاهداً لنا لا علينا في الآخرة.
والحمد لله رب العالمين.
خاتمة
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا. إذا أعجبك المقال، لا تتردد في مشاركته ليعم الخير. وتابعونا في "مدونة الأنباء الإسلامية" للمزيد.
