الرزق من الله: دعوة للتوحيد والشكر

تُعدّ آيات القرآن الكريم منارةً هادية للبشرية، تكشف الحقائق وتُبطل الأوهام. ومن هذه الآيات البينات قول الله تعالى في سورة العنكبوت: "إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًۭا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". هذه الآيات العظيمات تحمل في طياتها دعوة صريحة إلى التوحيد الخالص، وتفنيداً لأصول الشرك، وتوجيهاً إلهياً إلى مصدر الرزق الحقيقي ومن يستحق العبادة والشكر.

يستهل الله سبحانه وتعالى الخطاب بتصوير دقيق لحقيقة ما يفعله المشركون: "إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًۭا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا". هنا يُبطل القرآن أساس الشرك، موضحاً أن ما يُعبد من دون الله ليس إلا أصناماً وأوثاناً لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن أن تملك ذلك لغيرها. ويضيف عز وجل أن عبادتهم هذه قائمة على "إفك"، أي كذب وافتراء واختلاق باطل. فالمشركون لم يجدوا دليلاً عقلياً أو شرعياً على استحقاق هذه الأصنام للعبادة، فما كان منهم إلا أن اختلقوا لها صفات وقدرات وأسندوا إليها شفاعة وتأثيراً، وكل ذلك محض كذب وافتراء على الله وعلى الحقيقة.

ثم ينتقل الخطاب القرآني إلى بيان حجة قاطعة تدحض الشرك، وتثبت وحدانية الله في ربوبيته وألوهيته، وهي مسألة الرزق، فيقول تعالى: "إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًۭا". إن الرزق هو أساس الحياة، ومن البديهي أن من لا يستطيع أن يرزق نفسه أو غيره، لا يستحق أن يُعبد أو يُلجأ إليه. والأوثان التي يعبدونها لا تملك حتى أن توفر لقمة عيش أو قطرة ماء، فكيف تملك الشفاعة أو تغيير القدر؟ هذه حقيقة يعرفها العقل السليم: من يطلب الرزق من المخلوقين العاجزين عن رزق أنفسهم، فكأنه يطلب الماء من السراب. وقد أكد الله تعالى هذه الحقيقة في مواضع أخرى من كتابه، كقوله: "وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا" (هود: 6)، وقوله: "إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ" (الذاريات: 58).

وبعد أن كشف زيف المعبودات الباطلة وعجزها المطلق عن الرزق، يأتي التوجيه الإلهي الحكيم ببديل الحق والخير: "فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ". فإذا كان غير الله لا يملك الرزق، فالواجب إذاً أن يُطلب الرزق من مالكه، وهو الله وحده لا شريك له. إن هذا الأمر ليس مجرد دعوة للبحث عن الرزق، بل هو توجيه قلبي وروحي بأن يكون الاعتماد والتوكل على الله وحده في جلب الأرزاق ودفع الأضرار. وهو لا يتعارض مع السعي والاجتهاد، بل يجعلهما عبادة مقبولة إذا كان القلب معلقاً بالله، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً".

تتكامل الآية الكريمة بأوامر جامعة لمقاصد الدين الحق: "وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ". فبعد الأمر بابتغاء الرزق من الله، يأتي الأمر بعبادته وحده، لأن من يملك الرزق، يستحق العبادة. العبادة هي أقصى درجات الخضوع والذل والمحبة، ولا تكون إلا لمن بيده ملكوت كل شيء. ويتبعها الأمر بالشكر، وهو واجب طبيعي على العبد تجاه المنعم المتفضل الرازق. الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، بالاعتراف بالنعم، والثناء على المنعم، واستخدام النعم فيما يرضيه. فالرزق نعمة تستوجب الشكر، والعبادة هي أسمى صور الشكر.

وتُختتم الآية بتذكير مهيب يحمل في طياته الترغيب والترهيب: "إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ". هذا التذكير بالرجوع إلى الله هو المحفز الأكبر لطاعة أوامره واجتناب نواهيه. فالعلم بالعودة إلى خالق الكون ورازقه ومحاسبه، يوقظ الضمائر ويدفع النفوس إلى الاستقامة على منهج الله، استعداداً ليوم الحساب، حيث يُجازى كل عامل بما عمل.

إن هذه الآيات المباركة تقدم منهجاً كاملاً للحياة المسلمة، يدعو إلى التوحيد الخالص، والاعتماد على الله وحده في طلب الرزق، وإفراده بالعبادة والشكر، مع استحضار اليقين بالعودة إليه ومحاسبته. فمن تمسك بهذا المنهج، فقد أفلح في الدنيا والآخرة.