مقدمة

إن كتاب الله تعالى، القرآن الكريم، هو النور المبين والذكر الحكيم، الذي أنزله الله هداية للناس، وتبياناً لكل شيء. وكل آية فيه تحمل في طياتها بحوراً من المعاني، وكنوزاً من الهدايات، تضيء دروب المؤمنين وتعمق إيمانهم. ومن بين هذه الآيات العظيمة، تقف آية من سورة الكهف، جامعة لأسس الإيمان ومقومات التوحيد، كاشفة عن عظمة الخالق وجلاله، وهي قوله تعالى: "قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِۦٓ أَحَدٗا" (الكهف: 26). هذه الآية الكريمة ليست مجرد إجابة عن سؤال حول مدة لبث أهل الكهف، بل هي إعلان شامل لعلم الله المطلق، وسلطانه التام، وتفرده بالولاية والحكم، دعوة صريحة إلى توحيده سبحانه وتعالى في كل شؤون الحياة.

الآية الكريمة في سياقها القرآني

تأتي هذه الآية ضمن سياق قصة أهل الكهف العجيبة، التي قصها الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، رداً على أسئلة المشركين وأهل الكتاب. وبعد أن بين الله تعالى تفاصيل قصتهم، وضرب المثل بقدرته العظيمة في إنامتهم وإيقاظهم، اختلف الناس في تحديد المدة التي قضوها في كهفهم. فكانت الإجابة الحاسمة من رب العزة، التي توجه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلنها للناس: "قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ". وهذا التوجيه ليس فقط إجابة عن سؤال محدد، بل هو تعليم للمؤمنين بأن يردوا علم الغيب إلى عالمه، وأن يسلموا لله في كل ما استأثر به من علم.

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا: علم الله المطلق

تبدأ الآية الكريمة بتأكيد مبدأ عظيم من مبادئ العقيدة الإسلامية، وهو أن علم الله شامل ومحيط بكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. فبعد أن ذكر الله تعالى أن أهل الكهف لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، أتبع ذلك بقوله: "قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْ". وهذا التعبير يؤكد أن علم الله هو العلم الكامل المطلق، وأن ما ذكره من عدد السنين هو من علمه الذي لا يشاركه فيه أحد. إنه توجيه لنا بأن ننسب العلم الحقيقي إلى الله وحده، وأن ندرك قصور علم البشر.

وقد ورد في السنة النبوية ما يؤكد انفراد الله تعالى بعلم الغيب، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (صحيح البخاري، عبد الله بن عمر، رقم 4697؛ صحيح مسلم، عبد الله بن عمر، رقم 1057). وهذا الحديث الشريف يوضح بجلاء أن هناك أموراً خمسة استأثر الله بعلمها، وهي جزء من غيب السماوات والأرض الذي لا يحيط به إلا هو سبحانه.

لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: انفراد الله بعلم الغيب

هذه الجملة هي تعميم وتأكيد لما سبقها، فبعد أن بين الله تعالى علمه بما لبث أهل الكهف، أعلن أن له وحده غيب السماوات والأرض. والغيب هو كل ما غاب عن إدراك المخلوقين، سواء كان ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً. فالله تعالى هو وحده الذي يعلم خفايا الكون وأسراره، وما تخفيه الصدور، وما تكنه الضمائر، وما سيحدث في المستقبل.

قال تعالى: "وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّآ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ" (الأنعام: 59). هذه الآية تؤكد أن مفاتح الغيب كلها بيد الله، وأن علمه لا يحده زمان ولا مكان، ولا يغيب عنه شيء مهما دق أو خفي. وهذا يغرس في قلب المؤمن الطمأنينة واليقين بأن كل أمره بيد الله، وأنه لا ينبغي له أن يتعلق بغير الله في طلب علم الغيب أو كشف المجهول.

أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ: كمال رؤية الله وسمعه

هذا التعبير القرآني البليغ "أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ" هو أسلوب تعجب يراد به الإخبار عن كمال بصره وسمعه سبحانه وتعالى. فالله تعالى يرى كل شيء ويسمع كل شيء، لا يخفى عليه صوت ولا حركة، ولا يغيب عنه شيء في ملكوته الواسع. إنه تعبير عن عظمة الله وقدرته التي لا تحدها حدود، والتي تتجاوز كل تصور بشري.

هذه الجملة تدعو المؤمن إلى استحضار مراقبة