مقدمة

إنَّ القرآن الكريم كتاب هداية ونور، لا تَنْقَضِي عجائبه ولا تَبْلَى جدته، وقد حَفَلَ بضرب الأمثال والقصص التي تُجَلِّي الحقائق وتُثَبِّتُ القلوب وتُبَصِّرُ العقول. ومن هذه الأمثال البليغة والقصص العميقة، قصة "أصحاب القرية" التي وردت في سورة يس، تلك السورة العظيمة التي تُلقَّبُ بقلب القرآن. يأمرنا الله تعالى بضرب هذا المثل لنستلهم منه العبر والدروس الخالدة، ولنرى كيف تتجلى سنة الله في دعوة الأنبياء والمرسلين، وفي مواجهة أقوامهم، وفي عاقبة الصابرين المكذبين. يقول تعالى: (وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَـٰبَ ٱلۡقَرۡیَةِ إِذۡ جَاۤءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ) (يس: 13). هذه الآية الكريمة تفتتح فصلاً من فصول الصراع الأزلي بين الحق والباطل، بين دعاة الهدى وأعدائه، وتُقدم نموذجاً حياً للتضحية والثبات في سبيل الله، وللجزاء العادل الذي ينتظر كل فريق.

1. سياق الآية وأهمية الأمثال في القرآن الكريم

تأتي هذه الآية الكريمة في سياق سورة يس، التي تُعنى بإثبات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيت قلبه، وتهديد المشركين المكذبين، وإقامة الأدلة على وحدانية الله وقدرته على البعث والنشور. فبعد أن ذكر الله تعالى حال المشركين وإعراضهم عن آياته، جاءت قصة أصحاب القرية لتكون شاهداً على أن هذا التكذيب ليس بجديد، وأن سنة الله في الأمم السابقة جارية.

إنَّ ضرب الأمثال في القرآن الكريم منهج رباني حكيم، يهدف إلى تقريب المعاني الغيبية والمجردة إلى الأذهان، وتجسيدها في صور حسية ملموسة. فالأمثال تُعَدُّ من أساليب البلاغة القرآنية العالية التي تُحَرِّكُ القلوب وتُوقِظُ الفِطَرَ، وتُعطي الدروس والعبر بأسلوب مؤثر. يقول الله تعالى: (وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ) (الزمر: 27). وقصة أصحاب القرية هي مثل عظيم يُبَيِّنُ عاقبة المكذبين، ويُثَبِّتُ المؤمنين على الحق، ويُعَلِّمُ الدعاة الصبر والحكمة.

2. المرسلون إلى القرية: دعوة التوحيد الخالص

تبدأ القصة بإرسال الله تعالى لرسولين إلى هذه القرية، التي لم يُفصح القرآن عن اسمها، وقيل إنها أنطاكية، ولكن الأهم هو العبرة لا تحديد المكان. يقول تعالى: (إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ) (يس: 14). لقد جاء هؤلاء الرسل بدعوة التوحيد الخالص، دعوة كل الأنبياء والمرسلين، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما سواه من آلهة باطلة.

لكن أهل القرية استقبلوا دعوة الحق بالتكذيب والإنكار، ورفضوا الإيمان بحجة واهية، وهي أن الرسل بشر مثلهم. قالوا: (مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ) (يس: 15). وهذا هو دأب الكافرين في كل زمان ومكان، يرفضون الحق لأنه جاء على أيدي بشر، متناسين أن الله تعالى اختار من البشر رسلاً ليكونوا قدوة حسنة ومبلغين لرسالته.

أما الرسل، فقد ردوا بثبات ويقين، مؤكدين رسالتهم ومعتمدين على علم الله بها: (قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ * وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ) (يس: 16-17). لقد أدركوا أن مهمتهم هي البلاغ الواضح المبين، وأن الهداية بيد الله وحده.

ولم يكتف أهل القرية بالتكذيب، بل لجأوا إلى التهديد والوعيد، متطيرين بالرسل، أي تشاءموا بهم، وزعموا أنهم سبب شقائهم. قالوا: (قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يس: 18). فرد عليهم الرسل بحكمة وثبات: (قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُم بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ) (يس: 19)، أي شؤمكم معكم بسبب كفركم وإسرافكم في المعاصي، وليس بسبب دعوتنا لكم إلى الحق.

3. موقف الرجل الصالح: حبيب النجار ونصرة الحق

في خضم هذا الصراع بين الحق والباطل، يبرز نموذج فريد للشجاعة والإيمان، وهو الرجل الصالح الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، يُعرف في كتب التفسير بحبيب النجار. يقول تعالى: (وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ) (يس: 20