"الرحمن على العرش استوى": مفتاح فهم الصفات الإلهية

تعد الآية الخامسة من سورة طه، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، من عظيم آيات القرآن الكريم التي تحمل دلالات عقدية عميقة، وقد شغلت مساحة واسعة من النقاش بين المدارس الإسلامية عبر العصور. هذه الآية، شأنها شأن آيات الصفات الأخرى، تثير تساؤلات جوهرية حول كيفية فهمنا لذات الله سبحانه وتعالى وصفاته التي لا تليق إلا بجلاله وعظمته.

**المعنى اللغوي لـ "استوى" في لسان العرب:**

كلمة "استوى" في اللغة العربية متعددة المعاني، وتختلف دلالاتها باختلاف الحرف الذي تتعدى به.

* إذا جاءت "استوى" مجردة، فقد تعني النضج والكمال، كقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ﴾ (القصص: 14).

* إذا عُدِّيت بـ "إلى"، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (فصلت: 11)، فمعناها قصد وعمد وارتفع.

* وإذا عُدِّيت بـ "على"، كما في آيتنا هذه وفي سبع مواضع أخرى في القرآن الكريم (الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4)، فهي تحتمل عدة معانٍ في اللغة، منها: علا وارتفع، واستقر، وصعد، وقهر، واستولى، ودبر الأمر.

والمقصود الأعظم من هذا النقاش ليس تحديد المعنى اللغوي فحسب، بل هو كيفية إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى بما يليق بجلاله، بعيدًا عن التشبيه أو التعطيل.

**النقاش العقدي بين المدارس الإسلامية:**

دار نقاش عقدي ضخم حول هذه الآية وغيرها من آيات الصفات الإلهية، ويمكن تلخيص أبرز الاتجاهات في فهمها كالتالي:

1. **منهج السلف وأهل الحديث (أهل السنة والجماعة):**

يذهب جمهور السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم إلى الإيمان بصفة "الاستواء" كما جاءت في القرآن الكريم، وتمريرها على ظاهرها اللائق بالله، مع نفي الكيفية والتشبيه والتمثيل. منهجهم يقوم على أربعة أسس:

* **الإثبات:** إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات.

* **التنزيه:** تنزيه الله عن مماثلة المخلوقين، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

* **عدم التكييف:** عدم الخوض في كيفية هذه الصفات، لأن عقول البشر لا تدرك كيفية ذات الله، فمن باب أولى لا تدرك كيفية صفاته.

* **عدم التمثيل:** عدم تمثيل الله بخلقه، فلا يجوز القول إن استواءه كاستواء البشر على شيء.

فهم يقولون: "استوى بلا كيف"، أي إننا نؤمن بأنه استوى على العرش، ولكننا لا ندرك كيفية هذا الاستواء، ونكل علمه إلى الله تعالى. وهذا ما يعرف بمنهج "التفويض في الكيف". وقد قال الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة."

2. **منهج المتأولين (المعطلة أو المؤولة):**

هذا المنهج، الذي يمثله بعض المتكلمين كالأشاعرة والماتريدية، يرى أن الأخذ بظاهر كلمة "استوى" قد يوهم التشبيه والتحيز لله في مكان، وهو ما يتنافى مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه وحاجته إلى مكان. ولذلك، يلجأون إلى "التأويل" أي صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله اللفظ، دفعًا للتشبيه.

فبعضهم يؤول "استوى على العرش" بمعنى "استولى على العرش"، أي قهر ودبر وسيطر على ملكه. وبعضهم يؤولها بمعنى "ارتفع قدره وعلا شأنه" أو "دبر الأمر".

هدفهم من التأويل هو تنزيه الله عن النقص والجسمية والحدود، لكن منهج السلف يرى أن هذا التأويل قد يؤدي إلى تعطيل الصفة أو جزء من معناها الحقيقي الذي أراده الله.

**الأدلة من القرآن والسنة:**

* **من القرآن الكريم:** وردت صفة "الاستواء على العرش" سبع مرات في القرآن الكريم بصيغة واحدة، مما يؤكد ثبوتها وأهميتها. ومن تلك الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف: 54).

* **من السنة النبوية:** لم يخض النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام في كيفية استواء الله على عرشه، بل آمنوا بها وأثبتوها لله دون تمثيل أو تشبيه. ومن أشهر الأحاديث التي يستدل بها بعض العلماء على علو الله وارتفاعه (مما لا يناقض الاستواء اللائق به): حديث الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟" فأشارت إلى السماء، فقال صلى الله عليه وسلم: "أعتقها فإنها مؤمنة".

**الخلاصة والجمع:**

إن الهدف الأسمى لكل المدارس الإسلامية هو تنزيه الله وتعظيمه وإفراده بالعبادة، والإيمان بكمال ذاته وصفاته. والاختلاف في فهم "الاستواء" يدور غالبًا حول منهج التعامل مع نصوص الصفات المتشابهة. منهج السلف يقوم على الإيمان والتسليم بظاهر النص مع نفي الكيفية والتشبيه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) كقاعدة جامعة. بينما منهج المتأولين يرى ضرورة صرف اللفظ عن ظاهره إذا كان هذا الظاهر يوهم التشبيه.

وفي النهاية، يجب على المسلم أن يؤمن بأن الله عز وجل متصف بصفة "الاستواء على العرش" على الوجه الذي يليق به سبحانه وتعالى، دون أن يكيّف أو يمثّل أو يحاول إدراك الكيفية التي لا يعلمها إلا هو. فالله هو الأحد الصمد الذي لا يشبهه شيء من خلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.