النبي الذي حرمت عليه نساء الأرض: معجزة ربانية في الرضاعة
من بين القصص العجيبة والآيات الباهرة التي قصها علينا القرآن الكريم، قصة نبي عظيم بدأ حياته بمعجزة فريدة، حيث حرمت عليه جميع نساء الأرض - عدا أمه - أن يرضع من لبنهن. إنه كليم الله، النبي موسى عليه السلام، الذي جاءت قصته لتكون برهاناً ساطعاً على تدبير الله المحكم وقدرته المطلقة.
كان ميلاد موسى عليه السلام في ظروف بالغة الصعوبة، فقد كان فرعون يقتل كل مولود ذكر لبني إسرائيل، خوفاً من زوال ملكه على يد أحدهم، كما تنبأ له المنجمون. وفي خضم هذا الخطر الداهم، ألهم الله تعالى أم موسى أن تلقيه في اليم (نهر النيل) في تابوت، ثقة منها بوعد الله وحفظه. التقط آل فرعون هذا الرضيع المبارك، وأحبته امرأة فرعون، آسيا، وطلبت من فرعون ألا يقتله، فكان ذلك رحمة من الله عز وجل.
وهنا تتجلى المعجزة الإلهية الكبرى. فبعد أن استقر موسى في قصر فرعون، كان لا بد له من مرضعة. وعُرض عليه الكثير من المرضعات، الواحدة تلو الأخرى، لكنه أبى أن يرضع من أي امرأة منهن. كان يرفض الثدي تلو الثدي، وكأن حكمة إلهية تمنعه من قبول أي لبن سوى لبن أمه. لم يكن هذا رفضا عفويا من طفل، بل كان تدبيرا ربانيا مقصودا، ليعيده الله إلى أمه بعد أن ألقته بقلب متوكل على ربه.
وهنا يأتي دور أخت موسى، التي كانت تتبع أثره بتوجيه إلهي، دون أن يشعر بها أحد. وعندما رأت حيرة آل فرعون في إيجاد مرضعة له، تقدمت باقتراح ذكي، قالت فيه: "هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟". فقبل آل فرعون اقتراحها، وأحضرت أم موسى لترضعه.
يقول الله تعالى في سورة القصص، مصوراً هذه اللحظة الحاسمة وهذا التدبير الإلهي العظيم:
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: 12]
ثم يستكمل الله تعالى سرد القصة ليبين تمام الحكمة وكمال العناية:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 13]
هذه القصة ليست مجرد حكاية تاريخية، بل هي درس عظيم في التوكل على الله، وحسن الظن به، وإدراك أن تدبيره فوق كل تدبير. لقد أعاد الله موسى إلى أمه، ليس فقط لترضعه، بل لتربيه في حجرها، وهي مطمئنة عليه، وبأجر من فرعون نفسه! وهكذا تحولت مشاعر الخوف والقلق إلى طمأنينة وفرح، وتحقق وعد الله بأنه سيرده إليها.
إن نبي الله موسى عليه السلام، الذي حرمت عليه جميع نساء الأرض للرضاعة سوى أمه، يظل شاهداً على عظمة الخالق وقدرته على قلب الموازين، وتحويل المحن إلى منح، والأخطار إلى آيات. فسبحان الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو على كل شيء قدير.
ختاماً:
تابعوا المزيد من المقالات المفيدة عبر مدونة الأنباء الإسلامية.
