الحجاب والنقاب: فرضيته، حكم كشف الوجه، وشروط اللباس الشرعي - الفتوى تجيب
إن قضية الحجاب والنقاب من المسائل التي يكثر حولها الجدل في عصرنا، وتتعدد فيها الآراء، لكن الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام واضحة في عمومها، مع بعض التفاصيل التي اجتهد فيها العلماء. لنستعرض الأمر بتفصيل مستندين إلى الأدلة الشرعية.
**أولاً: هل الحجاب فرض في الإسلام؟**
الجواب الشرعي القاطع، والذي عليه إجماع فقهاء الأمة سلفاً وخلفاً، هو أن الحجاب فريضة محكمة على المرأة المسلمة متى بلغت الحلم، ووجوب الحجاب ليس أمراً اختيارياً أو مجرد عادة اجتماعية، بل هو حكم شرعي قطعي مستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
تتجلى هذه الفرضية في آيات بينات من كتاب الله:
* **قال تعالى في سورة النور (الآية 31):** "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ..."
هذه الآية نص صريح في وجوب ستر المرأة لزينتها، وأمرت بضرب الخمار (وهو غطاء الرأس) على الجيوب (وهي فتحة الصدر)، مما يدل على وجوب تغطية الرأس والصدر والنحر.
* **وقال تعالى في سورة الأحزاب (الآية 59):** "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا."
الأمر بإدناء الجلابيب (وهو الثوب الواسع الذي يستر البدن كله) يعني تغطية المرأة جسدها كاملاً عند الخروج، والغرض من ذلك هو تحقيق العفة والستر، وللتمييز بين المؤمنات وغيرهن، صوناً لهن من التعرض للأذى أو التحرش.
فالحجاب إذن هو غطاء شرعي يستر المرأة ويصونها، ويعكس هويتها الإسلامية وعفتها.
**ثانياً: حكم كشف الوجه والكفين (النقاب):**
أما مسألة كشف الوجه والكفين، فقد اختلف فيها فقهاء الأمة على قولين مشهورين:
1. **القول الأول (جمهور الفقهاء والمذاهب الأربعة):** يرى أن الوجه والكفين ليسا من العورة التي يجب سترها، ويجوز كشفهما بشرط عدم وجود فتنة. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا"، حيث فسر كثير من الصحابة والتابعين "ما ظهر منها" بالوجه والكفين. كما استدلوا ببعض الأحاديث التي تشير إلى ذلك، وباستثناء الشارع للمرأة في الحج من تغطية وجهها.
هذا هو رأي جمهور علماء الأمة، ويُعد كشف الوجه والكفين جائزاً عند أمن الفتنة.
2. **القول الثاني (بعض الفقهاء، ومنهم الحنابلة في قول):** يرى أن وجه المرأة وكفيها عورة يجب سترهما عند الخروج أمام الأجانب. واستدلوا بعموم آية الجلابيب في سورة الأحزاب، وببعض الآثار التي تدل على ستر الصحابيات وجوههن.
يُعد ستر الوجه والكفين (النقاب) فضيلة عظيمة ومرتبة عليا من الستر والعفة، وهو الأورع والأحوط خروجاً من الخلاف، وحماية للمرأة من الوقوع في الفتنة أو تعريضها لها.
وخلاصة القول أن ستر الوجه والكفين ليس واجباً بإجماع، بل هو محل اجتهاد، والأمر فيه سعة، إلا أنه يستحب سترهما، بل قد يجب إذا كان كشفهما يؤدي إلى فتنة محققة أو كان زمان الفساد غلاباً.
**ثالثاً: شروط الحجاب الشرعي:**
الحجاب الشرعي ليس مجرد قطعة قماش توضع على الرأس، بل هو منظومة لباس متكاملة تتصف بعدة شروط ليكون مقبولاً شرعياً، وهي:
1. **أن يستر جميع بدن المرأة عدا ما استثني:** وهو الوجه والكفان عند الجمهور.
2. **أن يكون واسعاً فضفاضاً لا يصف الجسم:** فلا يجوز أن يكون ضيقاً يحدد تفاصيل الجسد أو يبرز مفاتنه.
3. **أن يكون سميكاً غير شفاف:** فلا يظهر ما تحته من البشرة أو الملابس الداخلية.
4. **ألا يكون زينة في ذاته:** أي ألا يكون مبهرجاً أو مزخرفاً بشكل يلفت الأنظار إليه هو نفسه.
5. **ألا يشبه لباس الرجال:** فلكل جنس لباسه المميز.
6. **ألا يشبه لباس الكافرات أو الفاسقات:** في لباسهن الخاص بهن الذي قد يكون رمزاً لمعتقد أو ثقافة غير إسلامية أو لباساً يثير الفتنة.
7. **ألا يكون ثوب شهرة:** وهو اللباس الذي يُلبس للتميز أو للتفاخر أو للفت الأنظار بشكل غير لائق.
8. **ألا يكون مطيباً (معطراً):** لما ورد في النهي عن خروج المرأة متعطرة.
إن الحجاب الشرعي هو حماية للمرأة ووقاية لها من الأذى، وهو دليل عفتها وسمو أخلاقها، وهو تشريف لها لا تقييد، وتحرير لها من أن تكون سلعة للأنظار، وحفظ لكرامتها ومكانتها في المجتمع. فلتحرص المسلمة على التزام الحجاب الشرعي كاملاً، اقتداءً بأمهات المؤمنين وصحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء لمرضاة ربها.
خاتمة
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا. إذا أعجبك المقال، لا تتردد في مشاركته ليعم الخير. وتابعونا في "مدونة الأنباء الإسلامية" للمزيد.
