هل من محيص؟ دروس البطش والزوال من القرآن

يتجلى في كتاب الله آيات بينات تحمل في طياتها عظات بالغة، تذكّر الإنسان بقدرة الخالق وتُحذره من الغرور بقوته الزائلة. ومن هذه الآيات الكريمة، قوله تعالى في سورة ق: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًۭا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ". هذه الآية ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي إنذار لكل غافل، وتأمل لكل ذي بصيرة.

تفتتح الآية الكريمة بإشارة استفهامية تُفيد التكثير: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ". وهنا يخاطب الله سبحانه وتعالى كفار قريش ومَن على شاكلتهم، مُذكّرًا إياهم بمصائر الأمم السابقة التي طغت وتجبرت. "القَرْنُ" هنا يعني الأمة أو الجيل من الناس، فكم من أمم عظيمة بسطت نفوذها، وبلغت مبلغاً من القوة لم يُبلغه المخاطَبون.

ثم تأتي الصفة التي تُبرز شدة هؤلاء المهلكين: "هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًۭا". "البَطْشُ" هو القوة والشدة في الأخذ والعقوبة، ويُقصد به هنا القوة المادية، العسكرية، والعمرانية. لقد كانت تلك الأمم تمتلك من القوة والعدد والعدة، ومن البناء والعمارة، ما يفوق قوة من يُخاطَبون بهؤلاء الآيات. فنحن نعلم من القرآن الكريم قصص عاد الذين قالوا: "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" (فصلت: 15)، وثمود الذين نحتوا الجبال بيوتًا، وفرعون الذي قال: "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي" (الزخرف: 51). كل هذه الأمم كانت تتمتع ببطش وقوة جعلتها تظن أنها في مأمن من كل خطر، وأنها قادرة على مواجهة أي تحدٍ.

لكن ماذا كانت النتيجة رغم كل هذا البطش؟ "فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ". هنا يأتي الوصف الدقيق لمحاولات هذه الأمم للنجاة أو الهرب. "نَقَّبُوا" تعني تتبعوا، طافوا، بحثوا، حفروا، اخترقوا. لقد طافوا في البلاد شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، باحثين عن مكان آمن، أو ملجأ حصين، أو مفر من القدر المحتوم. ربما بنوا القلاع الشاهقة، وشيدوا المدن المحصنة، وربما حاولوا الفرار إلى أطراف الأرض، ظنًا منهم أن بطشهم وقوتهم قد تمنحهم وسيلة للنجاة. ولكن السؤال الختامي يأتي ليُجيب عن كل هذه المحاولات: "هَلْ مِن مَّحِيصٍ؟" وهي استفهامية للإنكار، بمعنى لا محيص ولا مهرب لهم من قضاء الله وقدره وعقوبته. فلم تنفعهم قوتهم ولا عتادهم ولا حصونهم ولا كثرة عددهم حين جاء أمر الله.

إن العبرة المستخلصة من هذه الآية عظيمة، وتُعد إنذارًا خالدًا لكل من يغتر بقوته وبطشه في الدنيا:

1. **زوال القوة المادية أمام قوة الله:** مهما بلغت قوة البشر، فإنها تظل متناهية ومحدودة أمام قوة الخالق المطلقة. لا حصون تمنع قضاء الله، ولا جيوش تقف في وجه أمره.

2. **حتمية العدل الإلهي:** سنة الله في خلقه أن يهلك الظالمين، وأن يُعاقب المتكبرين الذين فسدوا في الأرض وكذبوا رسله. وهذا يدل على عدل الله الذي لا يظلم أحدًا.

3. **لا مفر من قضاء الله:** هذه الآية تؤكد أن الفرار من قدر الله مستحيل. فمهما حاول الإنسان أن يجد لنفسه مخرجًا أو مهربًا من عقاب الله، فلن يجد سبيلاً. يقول الله تعالى: "لَّا يَسْمَعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ، دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ" (الصافات: 8-9)، وفي الحديث الشريف: "لا يغني حذر من قدر".

4. **دعوة للتأمل والاعتبار:** الآية تدعو المخاطبين في كل زمان ومكان إلى النظر في تاريخ الأمم السابقة، وأخذ العبرة من مصيرهم، لتجنب الوقوع في نفس الأخطاء من الكفر والطغيان.

5. **الأمان الحقيقي في طاعة الله:** الأمان الحقيقي والنجاة ليست في القوة المادية أو الحصون، بل في طاعة الله وتقواه، والالتزام بمنهجه القويم، والإيمان به وبرسله.

في الختام، إن قوله تعالى: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًۭا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ" هي صرخة مدوية في وجه كل مستكبر، وتحذير لكل غافل. إنها دعوة صادقة للعودة إلى الله، وإدراك حقيقة أن الملك كله لله، وأن القوة كلها لله، وأنه لا مفر ولا محيص من لقائه وحسابه. فلتكن حياتنا مبنية على التواضع والخضوع لله، لا على الغرور بالقوة الزائلة.