مقدمة: علامات الساعة... نذير وتذكير
إن الإيمان باليوم الآخر وما يسبقه من علامات وأشراط هو ركن أساسي من أركان عقيدة المسلم، وقد أولى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هذا الجانب اهتماماً بالغاً، ليكون ذلك تذكرة للغافلين، وحافزاً للمؤمنين على الاستعداد للقاء ربهم. لقد أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعديد من هذه العلامات، منها ما هو صغير يقع قبل القيامة بزمن طويل، ومنها ما هو كبير يقع قبيل قيامها مباشرة. وفي هذه النبوءات حكمة بالغة؛ فهي ليست مجرد سرد لأحداث مستقبلية، بل هي دعوة للتأمل، والتدبر، والعودة إلى الله، والتمسك بالدين في زمن الفتن.
ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي تتناول بعضاً من هذه الأشراط الصغرى، ما رواه الإمام البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا " (صحيح البخاري، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، رقم الحديث 80).
هذا الحديث الشريف يجمع أربعاً من علامات الساعة الصغرى التي تنذر بفساد أحوال الناس وتدهور قيمهم، وهي مترابطة فيما بينها، فكل واحدة منها تؤدي إلى الأخرى أو تتأثر بها. دعونا نتعمق في شرح هذه الأشراط وبيان دلالاتها.
1. رفع العلم: غياب النور وهلاك الأمة
أولى هذه العلامات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي "أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ". والعلم هنا هو العلم الشرعي الذي يورث خشية الله، ويهدي إلى صراطه المستقيم. ورفع العلم لا يعني محو حروفه من المصاحف والصدور، بل يعني ذهاب العلماء الربانيين الذين يحملون هذا العلم ويعملون به، ويحل محلهم جهال يتصدرون للفتوى بغير علم. وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديث آخر رواه البخاري ومسلم:
"إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (صحيح البخاري، كتاب العلم، رقم الحديث 100؛ صحيح مسلم، كتاب العلم، رقم الحديث 2673).
إن العلم هو أساس صلاح الأمة ونهضتها، وهو النور الذي يضيء دروب الحياة. وقد رفع الله شأن العلماء في كتابه الكريم:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).
وعندما يغيب العلم الصحيح، تضل الأمة وتتيه في ظلمات الجهل والبدع والضلالات، وتصبح فريسة سهلة للشهوات والشبهات.
2. ثبوت الجهل: انتشار الظلام والضلال
النتيجة الحتمية لرفع العلم هي "وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ". فإذا ذهب العلماء، خلا الميدان للجهال، وتصدروا المجالس، وتكلموا فيما لا يعلمون، فأفسدوا أكثر مما أصلحوا. الجهل ليس مجرد عدم معرفة، بل هو حالة من العماء عن الحق، والبعد عن هدي النبوة، واتباع الهوى. وعندما يثبت الجهل، تنتكس الفطر السليمة، وتختلط المفاهيم، ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
إن الجهل هو أصل كل بلاء، وهو الذي يدفع الناس إلى ارتكاب المعاصي والآثام دون وعي أو خشية. وقد ذم الله الجهل وأهله في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وحذر من اتباع الهوى بغير علم:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33).
فالقول على الله بغير علم هو من أعظم المحرمات، وهو نتيجة مباشرة لثبوت الجهل.
3. شرب الخمر: فساد العقول وذهاب المروءة
العلامة الثالثة هي "وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ". الخمر أم الخبائث، ومفتاح كل شر، وقد حرمها الإسلام تحريماً قاطعاً لما لها من آثار مدمرة على الفرد والمجتمع. تحريم الخمر جاء متدرجاً في الإسلام، حتى استقر الأمر على تحريمها الكلي والنهائي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: 90-91).
عندما يرتفع العلم ويثبت الجهل، يسهل على الشيطان أن يزين للناس المعاصي، ومنها شرب الخمر. فالسكر يذهب العقل، ويفتح الأبواب لارتكاب الفواحش والجرائم، ويهدم الأسر، ويفسد المجتمعات. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر بالعذاب الشديد:
"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ" (صحيح مسلم، كتاب الأشربة، رقم الحديث 2003).
انتشار شرب الخمر دليل على ضعف الوازع الديني، وتهاون الناس في حدود الله، وتغليب الشهوات على العقل والدين.
4. ظهور الزنا: انهيار الأخلاق وتفكك الأسر
العلامة الرابعة التي ذكرها الحديث هي "وَيَظْهَرَ الزِّنَا". الزنا من كبائر الذنوب، وهو جريمة أخلاقية واجتماعية خطيرة، تهدم الأسر، وتفسد الأنساب، وتنشر الأمراض، وتزعزع الأمن المجتمعي. وقد حرم الله الزنا تحريماً قاطعاً، وحذر من مجرد الاقتراب منه:
﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (الإسراء: 32).
والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من عواقب الزنا الوخيمة:
"إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ، فَقَدْ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ" (رواه الحاكم وصححه، وله شواهد تقويه).
ظهور الزنا يعني انتشاره العلني، وعدم استنكاره، بل ربما التفاخر به في بعض الأحيان. وهذا لا يحدث إلا في مجتمع فقد الحياء، وتخلى عن قيمه الأخلاقية، وتغلب فيه الهوى على العقل والدين. وهو نتيجة طبيعية لرفع العلم وثبوت الجهل وشرب الخمر؛ فالعلم ينهى عن الفحشاء والمنكر، والجهل يدعو إليهما، والخمر تذهب العقل الذي هو حارس الفضيلة.
الحكمة من ذكر هذه الأشراط مجتمعة
إن النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه لهذه العلامات الأربع في حديث واحد، يرسل لنا رسالة واضحة المعالم حول الترابط الوثيق بينها. فرفع العلم هو بداية الانحدار، إذ يليه ثبوت الجهل الذي يفتح الباب على مصراعيه لانتشار المعاصي والآثام. وعندما يغيب العلم ويحل الجهل
خاتمة
نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا. إذا أعجبك المقال، لا تتردد في مشاركته ليعم الخير. وتابعونا في "مدونة الأنباء الإسلامية" للمزيد.
